محمد ابراهيم شادي
24
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
الأولى : الأسلوب القرآني الذي جاءت عليه والذي يتميز باستحضار مشاهد الغيب وكأن المستمع يشاهدها ، فهذه من خصوصيات القرآن يقول الباقلاني : " وقد حكى القرآن تلك الأمور حكاية من شهدها وحضرها " « 1 » . الثانية : أن في حكاية قصص الأولين في القرآن مع أمية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دليل على صدق رسالته ، فلا هو شاهد تلك الوقائع لقوله تعالى : ( وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) [ القصص : 44 ] ، ولا هو قرأها فعلمها ، لأنه أمىّ لا يقرأ ولا يكتب ، فلا مفر من التسليم بصدق النبي فيما أخبر من الوحي ( تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) [ هود : 49 ] . ولا شك أن هذا التدقيق الذي يجعل المغيّبات إن لم تكن معجزة بنفسها فهي معجزة بأسلوب القرآن المعجز . . هذا لا يكون إلا من باحث متأمل فيما ينفرد به القرآن ويتميز عن غيره ، وهذا هو المنهج السديد للبحث عن الإعجاز . ثم توجه اهتمام الباقلاني إلى إعجاز القرآن من جهة نظمه ، فشقّق هذه الجهة على وجوه متعددة يعد أكثرها تفصيلا لما سبق إليه الخطابي من النظم ، وما سبق إليه الرماني عند حديثه عن نقص العادة ، وكان يقصد النظم الذي انفرد القرآن فيه بطريقة خارجة عن العادة ولها منزلة من الحسن تفوق به كل طريقة « 2 » . ومن الوجوه التي ذكرها الباقلاني في إطار النظم ويدخل في باب التفرد والتميز 1 - " إنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والمعاني اللطيفة والفوائد الغزيرة والحكم الكثيرة والتناسب في البلاغة والتشابه في البراعة على هذا الطول . . " « 3 » .
--> ( 1 ) إعجاز القرآن للباقلاني 49 . ( 2 ) النكت ضمن ثلاث رسائل 111 . ( 3 ) إعجاز القرآن 35 .